أحمد بن ادريس بن عبد الرحمن المالكي ( القرافي )

304

الذخيرة

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَحْصُلُ الْإِيمَانُ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّهُ ضِدَّهُ فَإِذَا ارْتَفَعَ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبِلَ إِسْلَامَ الْجَارِيَةِ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا إِلَّا إِشَارَتُهَا إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَا يَحْصُلُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ ؟ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ بِشَرْطِ إِمْكَانِ التَّلَفُّظِ وَآيُ الْقُرْآنِ تَشْهَدُ لَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَ الْإِيمَانَ فِي كِتَابِهِ ذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ { وَمن لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله } وَآمَنَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ قَالَ أَرْبَابُ عِلْمِ الْبَيَانِ إِنَّمَا دَخَلَتْ هَذِهِ الْبَاءُ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنَى أَقَرَّ وَالْإِقْرَارُ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ وَيُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْآيَاتِ كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ ( كَيْفَ تَرَانِي قَالِبًا مِجَنِّي . . . قَدْ قَتَلَ اللَّهُ زِيَادًا عَنِّي ) أَيْ صَرْفَهُ بِالْقَتْلِ فَضُمِّنَ قَتَلَ مَعْنَى صَرَفَ فَعَدَّاهُ بِعْنَ كَمَا يَتَعَدَّى صَرَفَ وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَجَوَامِعِ كَلِمِهَا لِتَعْبِيرِهَا عَنِ الْجُمْلَتَيْنِ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ صَرَفَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ قَتَلَهُ عَنِّي فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ تَظْهَرُ صِحَّةُ الْغُسْلِ وَعَلَى الثَّانِي يُشْكِلُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا لَمْ يُقْبَلْ فَأَوْلَى الْغُسْلُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ التَّلَفُّظَ اللَّاحِقَ لَمَّا صَحَّحَ التَّصْدِيقَ السَّابِقَ صَحَّحَ الْغُسْلَ السَّابِقَ أَيْضًا فَيَكُونُ الْإِيمَانُ الْقَلْبِيُّ وَالْغُسْلُ مَوْقُوفَيْنِ عَلَى التَّلَفُّظِ فَإِذَا تَلَفَّظَ صَحَّا جَمِيعًا وَيَصِحُّ الْغُسْلُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْأَدْنَى يَتْبَعُ الْأَعْلَى الثَّانِي لَوْ كَانَ الْكَافِرُ يَعْتَقِدُ دِينًا يَقْتَضِي الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَاغْتَسَلَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ وَقَدْ خَرَّجَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ